محمد بن جرير الطبري

23

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

رسله ، يقول : من جحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وصد عما بعث به من الملة من قبل منه ، فقد ضل فذهب عن الدين الذي هو دين الله الذي ابتعث به أنبياءه ضلالا بعيدا . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ . . . وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعني بذلك جل ثناؤه : إن الذين جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكفروا بالله بجحود ذلك وظلموا بمقامهم على الكفر ، على علم منهم بظلمهم عباد الله ، وحسدا للعرب ، وبغيا على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ يعني : لم يكن الله ليعفو عن ذنوبهم بتركه عقوبتهم عليها ، ولكنه يفضحهم بها بعقوبته إياهم عليها . وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً يقول : ولم يكن الله تعالى ذكره ليهدي هؤلاء الذين كفروا وظلموا ، الذين وصفنا صفتهم ، فيوفقهم لطريق من الطرق التي ينالون بها ثواب الله ، ويصلون بلزومهم إياه إلى الجنة ، ولكنه يخذلهم عن ذلك ، حتى يسلكوا طريق جهنم . وإنما كنى بذكر الطريق عن الدين ؛ وإنما معنى الكلام : لم يكن الله ليوفقهم للإسلام ، ولكنه يخذلهم عنه إلى طريق جهنم ، وهو الكفر ، يعني : حتى يكفروا بالله ورسله ، فيدخلوا جهنم خالدين فيها أبدا ، يقول : مقيمين فيها أبدا . وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يقول : وكان تخليد هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم على الله يسيرا ، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به على الامتناع منه ، ولا له أحد يمنعه منه ، ولا يستصعب عليه ما أراد فعله به من ذلك ، وكان ذلك على الله يسيرا ، لأن الخلق خلقه ، والأمر أمره . القول في تأويل قوله : تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ يعني بقوله جل ثناؤه : يا أَيُّهَا النَّاسُ مشركي العرب ، وسائر أصناف الكفر . قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ، قد جاءكم بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ يقول : بالإسلام الذي ارتضاه الله لعباده دينا ، يقول : من ربكم : يعني من عند ربكم . فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ يقول : فصدقوه وصدقوا بما جاءكم به من عند ربكم من الدين ، فإن الإيمان بذلك خير لكم من الكفر به . وَإِنْ تَكْفُرُوا يقول : وإن تجحدوا رسالته ، وتكذبوا به وبما جاءكم به من عند ربكم ، فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به لن يضر غيركم ، وإنما مكروه ذلك عائد عليكم دون الذي الله أمركم بالذي بعث به إليكم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا ، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من أمره ، وعصيانكم إياه فيما عصيتموه فيه من ملكه وسلطانه شيئا . وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً يقول : وكان الله عليما بما أنتم صائرون إليه من طاعته فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ومعصيته في ذلك ، وعلى علم منه بذلك منكم أمركم ونهاكم . حَكِيماً يعني : حكيما في أمره إياكم بما أمركم به وفي نهيه إياكم عما نهاكم عنه ، وفي غير ذلك من تدبيره فيكم وفي غيركم من خلقه . واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله نصب قوله : خَيْراً لَكُمْ فقال بعض نحويي الكوفة : نصب خيرا على الخروج مما قبله من الكلام ، لأن ما قبله من الكلام قد تم ، وذلك قوله : فَآمِنُوا وقال : قد سمعت العرب تفعل ذلك في كل خبر كان تاما ثم اتصل به كلام بعد تمامه على نحو اتصال " خير " بما قبله ، فتقول : لتقومن خيرا لك ، ولو فعلت ذلك خيرا لك ، واتق الله خيرا لك . قال : وأما إذا كان الكلام ناقصا ، فلا يكون إلا بالرفع كقولك : إن تتق الله خير لك ، و وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ النساء : . وقال آخر منهم : جاء النصب في " خير " ، لأن أصل الكلام : فآمنوا هو خير لكم ، فلما سقط " هو " الذي هو مصدر اتصل الكلام بما قبله ، والذي قبله معرفة و " خير " نكرة ، فانتصب لاتصاله بالمعرفة ، لأن الإضمار من الفعل : قم فالقيام خير لك ، ولا تقم فترك القيام خير لك ؛ فلما سقط اتصل بالأول . وقال : ألا ترى أنك ترى الكناية عن الأمر تصلح قبل الخبر ، فتقول للرجل : اتق الله هو خير لك ، أي الاتقاء خير لك . وقال : ليس نصبه على إضمار " يكن " ، لأن ذلك يأتي بقياس يبطل هذا ، ألا ترى أنك تقول : اتق الله تكن محسنا ، ولا يجوز أن تقول : اتق الله محسنا ،